الوضع الراهن للعملات المشفّرة في العراق وكوردستان
يقف العراق عند مفترق طرق اقتصادي حاسم. ففي الوقت الذي يمضي فيه معظم العالم قدماً في تبني التقنيات المالية والعملات الرقمية، لا يزال المشهد الخاص بالعملات المشفّرة في العراق غير منظّم إلى حد كبير وغير متطور. هذا الفراغ التنظيمي يخلق مخاطر كبيرة، وفي الوقت ذاته يحرم العراق من الفوائد المهمة التي يمكن أن يوفرها قطاع عملات مشفّرة جيد التنظيم.
وفي أعقاب عقود من النزاع والعقوبات وعدم الاستقرار الاقتصادي، يواجه النظام المالي العراقي تحديات فريدة. ويواصل البنك المركزي العراقي العمل على تثبيت سعر صرف الدينار ودمج البلاد في النظام المالي العالمي، بما في ذلك من خلال سعر الصرف الرسمي البالغ 1,310 ديناراً عراقياً مقابل الدولار الأمريكي الواحد، المعمول به منذ شباط/فبراير 2023. وفي الوقت نفسه، خلقت الحوكمة شبه المستقلة في إقليم كوردستان ظروفاً اقتصادية ونهجاً تنظيمياً مختلفين إلى حد ما.
وفي ظل هذه الخلفية، نما استخدام العملات المشفّرة بشكل عضوي، وغالباً ما يعمل في الظل من دون رقابة مناسبة أو ضرائب أو حماية للمستهلك. تتناول هذه المقالة الافتتاحية من سلسلتنا بعنوان “تنظيم العملات المشفّرة في العراق” الوضع الراهن للعملات المشفّرة في العراق وكوردستان، والتحديات التي تفرضها بيئة غير منظّمة، والأسباب التي تجعل من وضع إطار تنظيمي شامل أولوية وطنية.
الوضع الراهن
تنامي الإقبال رغم غياب الإطار التنظيمي
على الرغم من غياب الاعتراف القانوني أو الأطر التنظيمية، ظل إقبال العراقيين على العملات المشفّرة يتزايد باطراد. فقد اتجه العراقيون الشباب من المتمرسين بالتكنولوجيا، لا سيما في المراكز الحضرية مثل بغداد وأربيل والسليمانية، إلى استخدام العملات المشفّرة كنظام مالي بديل. وتساعد عدة عوامل في تفسير هذا الإقبال:
- مخاوف من التضخم وعدم استقرار العملة
- الحاجة إلى تحويل الأموال المرتبطة بالجالية العراقية الكبيرة في الخارج
- محدودية الوصول إلى الخدمات المصرفية الدولية
- ارتفاع معدلات البطالة الذي يدفع الشباب نحو فرص اقتصادية رقمية
- انعدام الثقة في الأنظمة المصرفية التقليدية
وفي إقليم كوردستان، حيث تفوق نسبة انتشار الإنترنت وتبني التكنولوجيا بشكل عام المستويات المسجلة في مناطق أخرى من العراق، برز نشاط التداول والتعدين الخاص بالعملات المشفّرة بشكل أكثر وضوحاً. وتعمل بورصات صغيرة ومجموعات تداول غير رسمية بشكل رئيسي عبر وسائل التواصل الاجتماعي وتطبيقات المراسلة، إلى جانب مكاتب الصرافة التقليدية وشبكات الحوالة التي طالما تولت عمليات تحويل العملة والتحويلات المالية في المنطقة.
الفراغ التنظيمي وتداعياته
في الوقت الراهن، لم تضع الحكومة الاتحادية في العراق ولا حكومة إقليم كوردستان تنظيمات واضحة تحكم العملات المشفّرة. وقد أصدر البنك المركزي العراقي بياناً عام 2017 يحذر من تداول العملات المشفّرة، لكن هذا التحذير جاء من دون آليات إنفاذ أو نهج تنظيمي شامل، ولم يفعل الكثير لإبطاء النمو العضوي للاهتمام الموصوف أعلاه.
ويحمل هذا الفراغ التنظيمي عدة تداعيات مثيرة للقلق:
- تسرّب اقتصادي: يمكن أن تسهّل معاملات العملات المشفّرة غير المنظّمة هروب رؤوس الأموال من اقتصاد العراق، متحايلة على ضوابط الصرف الأجنبي ومساهمة في زعزعة الاستقرار الاقتصادي العام.
- ثغرات أمنية: من دون رقابة مناسبة، يمكن استغلال العملات المشفّرة في أنشطة غير مشروعة، بما في ذلك تمويل الإرهاب والتحايل على العقوبات وغسل الأموال — وهي مخاوف بالغة الأهمية بالنظر إلى التحديات الأمنية في العراق وأولويات إعادة الإعمار في مرحلة ما بعد داعش.
- ثغرات في حماية المستهلك: لا يتمتع المواطنون العراقيون الذين يتعاملون مع العملات المشفّرة حالياً بأي حماية قانونية واضحة من الاحتيال أو النصب أو انهيار البورصات.
- ضياع الإيرادات: تفوّت الحكومة إيرادات ضريبية محتملة من تداول العملات المشفّرة وعمليات التعدين والأنشطة التجارية ذات الصلة.
- إعاقة الابتكار: يثني غياب الوضوح التنظيمي الشركات المشروعة عن الاستثمار في تقنية سلسلة الكتل والبنية التحتية للعملات المشفّرة داخل العراق.
| ما هو الغائب | ما يقول المقال إنه يترتّب عليه | من يحمله في هذه الأثناء |
|---|---|---|
| أي نظام ترخيص للمنصات | لا معيار على المنصة أن تستوفيه قبل أن تقبض مال أحد | العميل، الذي عليه أن يقوم بالفحص كله بنفسه |
| واجبات إبلاغ على المشغّلين المحليين | تمرّ تحويلات قد تهمّ في غسل الأموال أو التحايل على العقوبات دون سجل يحفظه أحد | الأجهزة الأمنية، التي ترى النتيجة بعد التحويل بوقت طويل |
| مسار لحماية المستهلك | لا جهة تُشكى إليها إذا انهارت منصة أو نُقض وعد | من خسر المال، وحده |
| أي معالجة ضريبية | نشاط لا يُضرَّب ولا يُحصى، فلا يظهر في أي رقم وطني | المال العام، وكل مخطِّط يعمل على الأرقام الرسمية |
| وضوح قانوني للأعمال المشروعة | تبقى الشركات الجدّية خارجاً، لأن أحداً لا يستثمر في مواجهة قاعدة لم تُكتب | السوق المحلي، الذي يُترك لمن يقبل العمل بلا قواعد |
تحديات فريدة في السياق العراقي
التقاطع مع القطاع المصرفي
يواجه القطاع المصرفي العراقي تحديات هيكلية كبيرة، تتمثل في محدودية الثقة العامة وتدني نسبي في معدل الشمول المصرفي الرسمي؛ إذ لا تزال شريحة كبيرة من البالغين العراقيين خارج نطاق الخدمات المصرفية الرسمية. وفي هذه البيئة، غالباً ما يبرز الإقبال على العملات المشفّرة كاستجابة لقصور الجهاز المصرفي، لا كعنصر مكمّل لنظام مالي يعمل بكفاءة.
وقد صُمم مزاد الدولار، أو “نافذة العملة”، الذي يديره البنك المركزي العراقي، للحفاظ على استقرار العملة وإدارة الوصول إلى العملة الصعبة، لكنه كان عرضة في بعض الأحيان للتلاعب وسوء الاستخدام. وقياساً بسعر الصرف الرسمي للبنك المركزي، اعتاد سعر الدولار في السوق الموازية أو السوق الحرة أن يكون أعلى، بما يعكس الفجوة بين الأسواق الرسمية وغير الرسمية للعملة. وتضيف بورصات العملات المشفّرة غير المنظّمة طبقة أخرى، غير مرئية إلى حد كبير، إلى هذا المشهد الموازي للعملة، مما يزيد من تعقيد جهود البنك المركزي في مجال السياسة النقدية.
تعقيدات إقليمية
يضيف الوضع شبه المستقل لإقليم كوردستان طبقة أخرى من التعقيد. فالسياسات الاقتصادية بين بغداد وأربيل ليست متسقة دائماً بشكل كامل، مما يخلق ثغرات تنظيمية محتملة يمكن لمشغّلي العملات المشفّرة استغلالها من خلال العمل عبر الحدود القانونية بين الجهات المختلفة. ويجب أن يأخذ أي نهج تنظيمي فعّال بعين الاعتبار هذه الديناميكية بين المركز الاتحادي والإقليم، مع ضمان حماية متسقة للمستهلكين في جميع أنحاء العراق، من بغداد إلى أربيل والسليمانية.
تحديات البنية التحتية والتقنية
لا تزال البنية التحتية للإنترنت في العراق، رغم تحسنها، غير متجانسة في مختلف أنحاء البلاد. وتشكّل انقطاعات الكهرباء وتفاوت مستوى الثقافة الرقمية عوائق إضافية أمام تبني مسؤول للعملات المشفّرة. ويجب معالجة هذه التحديات المتعلقة بالبنية التحتية جنباً إلى جنب مع تطوير الأطر التنظيمية، حتى تكون أي قواعد مستقبلية قابلة للتطبيق عملياً لا مجرد طموحات نظرية.
السياق العالمي وموقع العراق
في حين تردد العراق في وضع تنظيمات للعملات المشفّرة، مضى عدد من الاقتصادات المماثلة قدماً في هذا المجال. فالدول التي تواجه تحديات اقتصادية مشابهة أو احتياجات إعادة إعمار في مرحلة ما بعد النزاع أدركت بشكل متزايد أن التنظيم — لا الحظر التام — يميل إلى أن يكون النهج الأكثر فاعلية.
فقد تبنت الإمارات العربية المتحدة تقنية سلسلة الكتل والعملات المشفّرة في إطار نظام تنظيمي مُحكم البناء، ما ساعد على خلق فرص عمل وجذب استثمارات أجنبية إلى قطاع الأصول الرقمية لديها. وطورت تركيا، رغم تحدياتها الاقتصادية الخاصة، قواعد تهدف إلى إتاحة الابتكار مع حماية عملتها ونظامها المصرفي. أما نيجيريا، التي تواجه ضغوطاً مماثلة مرتبطة بالتضخم واستقرار العملة، فقد تحركت لتنفيذ تنظيمات متعلقة بالعملات المشفّرة إلى جانب مبادرتها الخاصة بالعملة الرقمية للبنك المركزي.
ويخاطر العراق بمزيد من التراجع خلف نظرائه الإقليميين والعالميين إن لم يطور نهجاً تنظيمياً مدروساً ومكيَّفاً محلياً يعالج ظروفه الخاصة.
كل ما في القسم التالي يصف ما يمكن للتنظيم أن يفعله، لا ما يقتضيه أي قانون عراقي حالياً. لا نظام ترخيص يُتقدَّم إليه، ولا إقرار يُقدَّم، ولا جهة رقابية يُسجَّل عندها؛ وقد أصدر البنك المركزي العراقي تحذيرات علنية بشأن التعامل بالعملات الرقمية، وهذا شيء مختلف عن وجود إطار.
اقرأ التوصيات كوصف لما يجب أن يحتويه إطار لو كُتب. ومن يتعامل اليوم فهو يتعامل في الفراغ، والفحوص التي كانت ستكون على الجهة الرقابية تصبح عليه هو.
حجة التنظيم
لا ينبغي النظر إلى تنظيم العملات المشفّرة في العراق باعتباره محاولة لتقييد التقدم التكنولوجي أو الحرية الاقتصادية. بل إن التنظيم الفعّال من شأنه أن يساعد على:
- حماية الأمن الوطني: عبر منع التمويل غير المشروع وضمان تطبيق بروتوكولات “اعرف عميلك” (KYC) و”مكافحة غسل الأموال” (AML) بشكل صحيح على المنصات المرخّصة.
- صون الاستقرار الاقتصادي: عبر إدماج نشاط العملات المشفّرة في الاقتصاد الرسمي والحد من مساحة التلاعب بالسوق.
- توليد إيرادات حكومية: من خلال رسوم الترخيص وفرض الضرائب على شركات العملات المشفّرة، وتحقيق محاسبة أكثر شفافية لنشاط التداول.
- حماية المستهلكين: عبر وضع معايير واضحة للبورصات ومقدمي خدمات العملات المشفّرة الآخرين العاملين في العراق.
- جذب استثمارات مشروعة: فالتنظيمات الواضحة تبعث برسالة إلى المستثمرين والشركات الدولية بأن العراق منفتح على الابتكار المالي ضمن إطار آمن وقابل للتنبؤ به.
ملاحظة موجزة حول نطاق هذه المقالة: لا ينبغي فهم أي جزء من هذه المقالة على أنه استشارة مالية أو تأييد لأي عملة مشفّرة أو بورصة أو استراتيجية استثمارية بعينها؛ وعلى القراء الذين يفكرون في الانخراط في نشاط العملات المشفّرة أن يلتمسوا استشارة مستقلة ومؤهلة وأن يدركوا المخاطر التي ينطوي عليها الأمر.
الخاتمة
إن الإقبال المتنامي على العملات المشفّرة في العراق وكوردستان، في ظل استمرار غياب التنظيم، يمثّل فرصة وتحدياً في آن واحد. فمن دون رقابة مناسبة، تخاطر هذه الأصول الرقمية بأن تتحول إلى أدوات للضرر الاقتصادي بدلاً من أن تكون محركاً للتقدم. غير أنه بتنظيم مدروس — يُوضع في سياقه الصحيح بما يلائم ظروف العراق الخاصة — يمكن للعملات المشفّرة أن تسهم بدلاً من ذلك في الشمول المالي والتحديث الاقتصادي والتقدم التكنولوجي الأوسع.
وكما ستستكشف المقالات اللاحقة في هذه السلسلة، فقد نجحت دول تواجه تحديات مماثلة في تطبيق أطر تنظيمية توازن بين الابتكار والحماية. ويمكن للعراق أن يستفيد من هذه التجارب مع تطوير نهج يلائم سياقه الأمني والاقتصادي والاجتماعي الخاص به.
ويتطلب المضي قدماً تعاوناً مستمراً بين البنك المركزي العراقي والحكومتين الاتحادية والإقليمية وأجهزة الأمن وخبراء التكنولوجيا. فبالتصرف بحزم الآن، يمكن للعراق أن يساعد على تحويل العملات المشفّرة من تهديد محتمل إلى أصل وطني — يخدم مصالح اقتصاده وأمنه، وفي المقام الأول، مصالح شعبه.


